منتدى الانبا كاراس السائح صديق الملائكة وأبونا بيشوى كامل الخادم الامين حامل الصليب


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حياة في السراديب،

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
jesusismylife



ذكر
عدد الرسائل : 88
العمر : 53
تاريخ التسجيل : 29/04/2009

مُساهمةموضوع: حياة في السراديب،   الأحد مايو 31, 2009 10:35 pm

أيها الشاب العزيز:

* لا شكَّ أنك تعبُر كل يوم، وأنت ذاهب إلى معهدك أو إلى مكان عملك على كنيستك بمبانيها الشاهقة ومناراتها العالية، وقد يصيبك الفخر والاعتزاز إذا كانت كنيستك ذات مظهر خلاَّب يُشرِّف - في نظرك - جمهور المسيحيين ويعلي من شأنهم. أما إذا كنتَ في قرية لم تُشيَّد بها كنيسة فخمة، فقد تحسُّ بحزن وتجيش في قلبك الأمنيات الغاليات ببناء كنيسة شاهقة تعلن عن وجود المسيحية في هذه القرية.

* ولكن مهلاً، فالمسيحية الأصيلة لم تكن يوماً مسيحية القباب والمنارات، وذكرى الشهداء تواجهنا بمسيحية الشهداء الأصيلة التي كانت تنمو وتعلن عن وجودها، لا من خلال الكنائس الشاهقة، بل من داخل سراديب عميقة تخترق طبقات الأرض السفلى، لا يحسُّ بها أحد ولا يُعجَب بها أحد.

* وسأجول بك - في رحلة خاطفة - حول هذه الحياة الغريبة، حياة مَن يعيشون في السراديب، لكنها كانت حياة ما أحوجنا إليها اليوم ليعود للمسيحية وجهها الحقيقي الصحيح.

ما هي السراديب؟

لقد كانت السراديب في حياة الكنيسة - إبان عصر الاستشهاد - تمثِّل ركناً مهماً في الحياة الروحية التي عاشها المسيحيون الأوائل. كانت هذه السراديب تُستخدم أصلاً كمدافن تحت الأرض أو في أعماق الجبال. بدأ استعمالها كمدافن يُودِع فيها المسيحيون رفات شهدائهم وموتاهم. وقد بدأ انتشارها في روما ثم انتقلت فكرتها إلى نابلس ومالطة وسيسليا والإسكندرية وباقي مدن الإمبراطورية الرومانية.

إلاَّ أن استعمالها لم يقتصر على ذلك فقط، بل تعدَّاها إلى اعتبارها ملجأ للمسيحيين الذين كانت السلطات الوثنية تطاردهم، ثم كأماكن مقدسة للعبادة الجمهورية وسط رفات الشهداء وأجسادهم الطاهرة، أماكن مناسبة يمكن أن يتنسموا فيها، لا رائحة الموت، بل رائحة الأبدية والخلود، وكمجال خصب يشتاقون فيه إلى الحياة الأخرى الباقية إلى الأبد.

لقد أُنشئ بعض هذه السراديب منذ عصر الرسل، ولكن معظمها أُنشئ خلال الأجيال التي تلت العصر الرسولي حتى القرن الثالث حين تملَّك قسطنطين الملك وأعلن المسيحية ديانة مسموح بها في الدولة الرومانية، وأمر ببناء الكاتدرائيات الشامخة ذات القباب والمنارات العالية، فخَفَتَتْ المسيحية الأولى المناضلة التي ترعرعت وازدهرت من تحت نير الصليب في مواجهة الموت ووسط ظلمة السراديب المؤدية إلى أنوار الحياة الأبدية.

وصف السراديب:

كانت هذه السراديب عبارة عن ممرات ضيقة، ولكن طويلة، تتقاطع مع بعضها البعض، يُخيِّم عليها الظلام الدامس إلاَّ من شعاع واحد خافِت قد يتسرَّب من فتحة هنا أو من فتحة هناك في سقف السرداب، يجتمع فيها المسيحيون بعيداً عن أنظار الناس، يؤدُّون فيها صلواتهم وقدَّاساتهم على أضواء الشموع الخافتة ووسط سكون شامل رائع.

كانت جدران السراديب مغطاة بالصور والنقوش والرموز التي وإن اتسمت بالبساطة والسذاجة في الفن، إلاَّ أنها كانت مفعمة بالمعاني السامية العميقة التي طالما عبَّرت عن حقيقة الحياة المسيحية الأصيلة التي عاشها الشهداء، والتي استطاعت أن تصمد وتنمو في مواجهة الطغيان الوثني الذي كان يضغط بشدة على الكنيسة في القرون الأولى.

هلمَّ نمعن النظر في هذه الرسوم وتلك الكتابات لنعرف روح هؤلاء الشهداء.

الكتابـات:

لقد تميَّزت الكتابات التي خلَّفها الشهداء على جدران كهوفهم بفحوى التعليم الذي تركه بولس الرسول لدى التسالونيكيين وأوصاهم فيه أن لا يحزنوا كالباقين (الذين هم الوثنيون) الذين لا رجاء لهم، بل أن يتذكَّروا جيداً أنه كما قام الرب يسوع من بين الأموات، هكذا فإن كل الذين رقدوا في الرب سيُقيمهم الله أيضاً معه. لذا كانت كتابات الشهداء متسمة بالرجاء والفرح الذي يغمر أفئدتهم. فالموت عندهم ليس سوى نوم قصير الأمد، فالنفس مع عريسها تحيا في الله، والجسد في القبر ينتظر القيامة السعيدة. فكثيراً ما كتبوا هذه الكلمات الخالدة: "رقد في سلام"، "حيٌّ في الله"، "حيٌّ إلى الأبد"، "لا تبكِ يا بنيَّ، فالموت ليس أبدياً"، "إن ألكسندر لم يَمُت، بل هو حيٌّ في السماء وإن كان جسده قابعاً في القبر".

إن بعض المسيحيين - وهذا ما يسترعي انتباهنا - كتبوا بجوار أجساد موتاهم توسُّلات إلى أرواحهم لكي يتشفعوا من أجلهم في السماء وهم أمام المسيح.

ولكن الأمر المدهش هو أن هؤلاء المؤمنين بالحياة الأبدية كانوا عاملين مجتهدين في المجتمع مساهمين في حياة وطنهم. وقد عرفنا هذا مما سجَّلوه أيضاً عن جهادهم من أجل وطنهم الأرضي. فهذا نجار يرسم على اللوحة المعلَّقة على قبره مجموعة من أدوات النجارة التي كان يستعملها. وبعد موته تطوَّع أحد النحَّاتين من أقاربه بكتابة هذه الكلمات تحت الصورة: "باوتوس وماكسيما، لقد صنعا هذه الأدوات أثناء حياتهما على الأرض".

الرســوم:

أما الرسوم فقد كان أهمها الرموز التي كانت تشير إلى الرب يسوع المسيح، وهي: الراعي الصالح، والسمكة والكرمة. لقد كانت هذه الرموز تعبِّر عن بساطة المسيحيين الطفولية النادرة وتؤثـِّر فيهم. كانت بمثابة دساتير إيمان تحدِّد لهم المبادئ الأساسية لإيمان كل مسيحي بالمسيح كمخلِّص وكمعزٍّ إنْ في الحياة أو في الممات.

الراعي الصالح:

فالراعي الصالح كان يُعبَّر عنه في هذه الرسوم كرجل لطيف بلا لحية، حديث السن، في لباس منير، بزنار وصندل ومزمار وعصا، يحمل الخروف على منكبيه، وحوله خروفان آخران أو أكثر ينظران إليه في ثقة واطمئنان. وقد يُصوَّر في موقف الذي يُطعِم خرافه من المراعي الخضراء.

وهنا يبدو إيمان المسيحي من نحو المسيح، باذلاً نفسه عن الخراف ومعطياً الخيرات لكل نفس. إنها الصورة الكاملة للمخلِّص. نقف هنيهة عند هذا الرمز الجميل.

لقد كتب أحد المؤرخين الحديثين يقول:

[تُرى ماذا كانت العقيدة الشائعة لدى المسيحيين الأوائل؟ لقد كانت - في كلمتين وحيدتين - هي عقيدة "الراعي الصالح". لقد كان حنان الراعي، وشجاعته، ونعمته، وحبه، وجماله؛ هو كتاب صلواتهم ودستور إيمانهم وقانون كنيستهم متركِّزاً في شخص الرب. لقد كانوا يتطلَّعون - دوماً - إلى هذا الرمز، فينقل إليهم كل ما يشتهون.

ولكن بمرور الزمن غابت صورة الراعي الصالح عن ذهن الكنيسة وأخذت تقفز مكانها شعارات أخرى. فبدلاً من صورة الراعي الحنون الطيِّب القلب، أصبحت صورة الإله الديَّان، أو المصلوب المتألم، أو الطفل المستلقي على ذراعي أُمه، أو الرب في حفل عشائه الأخير، أو جمهور الملائكة والقديسين، أو التعبير المتقن عن القضايا اللاهوتية العويصة].

السمكة:

أما السمكة فهي تعبِّر تحت شكل آخر عن نفس فكرة الخلاص، ولكن للذين يعرفون اللغة اليونانية. فكلمة "إيخثيس" كلمة يونانية معناها سمكة، إلا أن حروفها اليونانية تشكِّل الحروف الأولى من الكلمات اليونانية التي تعني: "يسوع المسيح ابن الله المخلِّص".

وكانت السمكة في بعض الصور تبدو وهي تسبح في المياه، مع طبق يحوي خبزاً، وكأس تحوي خمراً إشارة إلى سر العشاء الرباني. وكان المتأمِّل في السمكة يتذكَّر المفديين أيضاً. فهي ترمز إلى النفس التي اصطادها صياد البشر الماهر بشبكته الإلهية المباركة. ويُشبِّه ترتليان (أحد الكتَّاب المسيحيين المشهورين في عصر الاستشهاد) المياه التي تسبح فيها السمكة، بمياه المعمودية، ويقول:

[إننا نحن السمكات الصغار، وُلدنا من السمكة الكبيرة (التي هي المسيح). ويمكننا أن ننجو إن بقينا دائماً في تلك المياه (أي إذا صرنا أمناء لعهد معموديتنا واحتفظنا بالنعمة التي نلناها في المعمودية)].

الكرمــة:

أما الكرمة فقد كانت ترمز إلى الوحدة السرية بين المؤمن وبين المسيح، وإلى الوحدة الروحية بين المؤمنين وبعضهم البعض، وكانت تعبِّر عن كأس الشركة التي يُباركها الكاهن في القداس الإلهي.

هذا هو الواقع!

إن المؤرخين المدققين والباحثين الأمناء كلهم يؤكِّدون أنه ليس هناك ثمة تناقُض بين ما أظهرته الآثار والرسوم من معانٍ روحية سامية، وبين حقيقة الحياة التي عاشها فعلاً المسيحيون الأوائل. أي أن الرسوم والرموز التي ازدانت بها جدران الكهوف لم تكن تعبيراً عن خصوبة خيال فنان لا يَمُتّ إلى واقع حياة آلاف المسيحيين بصلة؛ بل كانت تعبيراً متقناً عن حياة حقيقية عاشها هؤلاء الأبطال الصناديد، كل منهما (الفن والحياة) يُعبِّر عن الآخر ويُصوِّره.

فكل من الفن والرسوم على الجدران والحياة الحقيقية التي عاشها رواد هذه السراديب تعرض لنا واقع المسيحية الرسولية والآبائية حتى القرن السابع: مسيحية المعترفين والشهداء، المسيحية المتواضعة غير المدعية غير المتفلسفة غير المتعلِّمة، المسيحية القوية في مماتها وفي رجائها بالقيامة السعيدة، المتحررة من قيود الكلمات المحفوظة وتعقيدات علم اللاهوت الحديث. كل هذا في حبٍّ شديد للرمزية والنسك والعبادة والبذل الكامل حباً في المسيح.

والآن، أيها الشاب العزيز، هل يمكن أن تكون في كنيستك مجدِّداً لكل هذه المُثُل الرائعة، وباعثاً لهذه القيم الروحية السامية، سواء كانت مباني كنيستك ذات قباب ومنارات، أو بلا قباب ولا منارات.

______________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حياة في السراديب،
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الانبا كاراس السائح صديق الملائكة وأبونا بيشوى كامل الخادم الامين حامل الصليب :: قصص روحية-
انتقل الى: